الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

23

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ [ التوبة : 12 ] والمقصود هنا : أن حرمة العهد قد زالت . وفي هذه الآية شرع الجهاد والإذن فيه والإشارة إلى أنّهم لا يقبل منهم غير الإسلام . وهذه الآية نسخت آيات الموادعة والمعاهدة . وقد عمّت الآية جميع المشركين وعمّت البقاع إلا ما خصصته الأدلّة من الكتاب والسنة . والأخذ : الأسر . والحصر : المنع من دخول أرض الإسلام إلا بإذن من المسلمين . والقعود مجاز في الثبات في المكان ، والملازمة له ، لأن القعود ثبوت شديد وطويل . فمعنى القعود في الآية المرابطة في مظانّ تطرق العدوّ المشركين إلى بلاد الإسلام ، وفي مظان وجود جيش العدوّ وعدته . والمرصد مكان الرصد . والرصد : المراقبة وتتبع النظر . و كُلَّ مستعملة في تعميم المراصد المظنون مرورهم بها ، تحذيرا للمسلمين من إضاعتهم الحراسة في المراصد فيأتيهم العدوّ منها ، أو من التفريط في بعض ممارّ العدوّ فينطلق الأعداء آمنين فيستخفّوا بالمسلمين ويتسامع جماعات المشركين أنّ المسلمين ليسوا بذوي بأس ولا يقظة ، فيؤول معنى كُلَّ هنا إلى معنى الكثرة للتنبيه على الاجتهاد في استقصاء المراصد كقول النابغة : بها كل ذيّال وخنساء ترعوي * إلى كلّ رجّاف من الرمل فارد وانتصب كُلَّ مَرْصَدٍ إمّا على المفعول به بتضمين اقْعُدُوا معنى ( الزموا ) كقوله تعالى : لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [ الأعراف : 16 ] ، وإمّا على التشبيه بالظرف لأنّه من حقّ فعل القعود أن يتعدّى إليه ب ( في ) الظرفية فشبّه بالظرف وحذفت ( في ) للتّوسّع . وتقدم ذكر ( كلّ ) عند قوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها في سورة الأنعام [ 25 ] . فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . تفريع على الأفعال المتقدمة في قوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ .